المعادلة المعقدة.. توقعات النمو الاقتصادي بالمغرب في تضارب مستمر
المعادلة المعقدة.. توقعات النمو الاقتصادي بالمغرب في تضارب مستمر

بات تضارب أرقام النمو الاقتصادي المتوقعة والمحقّقة في المغرب سمة أساسية لمعالم اقتصاد البلاد، وذلك خلال العقود الخمسة الماضية، ففي عام نجد قفزة كبيرة بالنمو والعام الذي يليه نجد أن نسبة النمو تتراجع كثيرًا، وربما يسجِّل الاقتصاد انكماشًا، وما زالت الحكومة والخبراء وحتى المؤسسات المالية العالمية يعانون تخبطًا واضحًا في التوقعات.

ولا شك أن معدل النمو الاقتصادي أمرٌ يصعب فهمه في المغرب فهو متقلِّب بشكل عجيب، وقبل الحديث عن التفاصيل، لنتعرف أولًا على النمو الاقتصادي بشكلٍ عام، والذي يعرف بأنه: مجموع القيم المضافة إلى كافة وحدات الإنتاج العاملة في فروع الإنتاج المختلفة في اقتصاد الدولة، مثل الزراعة والتعدين والصناعة وباقي قطاعات الاقتصاد المختلفة. ويقصد بالقيمة المضافة لوحدة إنتاجية معينة أنه الفرق بين قيمة إجمالي الإنتاج لهذه الوحدة وقيمة السلع والخدمات الوسيطة المستهلكة في ذلك الإنتاج.

وبذلك يمكن القول إن النمو الاقتصادي يمثِّل الزيادة في كمية السلع والخدمات التي ينتجها اقتصاد الدولة، وهذه السلع يتم إنتاجها باستخدام عناصر الإنتاج الرئيسية، وهي الأرض والعمل ورأس المال والتنظيم، وبشكل عام يعتبر النمو الاقتصادي أنه تغيير إيجابي في مستوى إنتاج السلع والخدمات بدولة ما في فترة معينة من الزمن غالبًا تكون سنة وتقارن النسبة في السنة بسابقتها، وإجمالًا زيادة النمو هو زيادة دخل الدولة عمومًا.

وباتت خطط تسريع النمو الاقتصادي هدفًا أساسيًا للحكومات، وذلك بسبب الاعتقاد السائد بأن تحقيق نمو اقتصادي أعلى يؤدي إلى مستويات معيشة مترفعة، إلا أنه في الواقع لا تعني زيادة النمو بالضرورة تحسن مستويات المعيشة، لأن ثمار النمو لا تتوزع بصورة عادلة وغالبًا ما تستأثر القلة بمعظم منافع النمو.

«جنون الأرقام».. التضارب سيد الموقف بأرقام النمو

بالنظر إلى الأشكال البيانية التالية نجد أن نسب النمو الاقتصادي في المغرب متفاوتة بشكلٍ كبير إذ لم تسجل استقرارًا ولو طفيفًا في نحو 50 عامًا، وتسعى حكومة المملكة، من خلال مشروع موازنتها لعام 2018، والذي شرعت بإعداده مؤخرًا، لتحقيق نسبة نمو اقتصادي بـ3.2%، سعيًا نحو رأب الصدع الذي لحق مؤشراتها الكليَّة وأفرز نموًا اقتصاديًا لم يتجاوز 1.6% في 2016، إذ خيّبت فيه نسبة النموّ توقّعات حكومة المملكة.11-12.jpg

<img src=”https://www.sasapost.com/wp-content/uploads/11-12.jpg” data-attachment=”177936″>

بيانات الحسابات القومية للبنك الدولي، وبيانات الحسابات القومية لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادي22-5.jpg

<img src=”https://www.sasapost.com/wp-content/uploads/22-5.jpg” data-attachment=”177937″>

بيانات الحسابات القومية للبنك الدولي، وبيانات الحسابات القومية لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادي5a9ad19866.jpg

<img src=”https://www.sasapost.com/wp-content/uploads/33-3.jpg” data-attachment=”177938″>

بيانات الحسابات القومية للبنك الدولي، وبيانات الحسابات القومية لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادي44-3.jpg

<img src=”https://www.sasapost.com/wp-content/uploads/44-3.jpg” data-attachment=”177939″>

بيانات الحسابات القومية للبنك الدولي، وبيانات الحسابات القومية لمنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.

وخلال الربع الثاني من 2017، نما الاقتصاد المغربي بنحو 4.8% على أساس سنوي، وفق المندوبية السامية للتخطيط (حكومية)، التي توقعت، في الربع الثالث من العام ذاته، تباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي بشكلٍ طفيف إلى 4.1%، لكن مقارنة مع 1.3% قبل عام، بينما يؤكد وزير التشغيل والإدماج المهني المغربي، محمد يتيم، أن الحكومة وضعت هدفًا طموحًا يتمثل في تحقيق نسبة نمو تتراوح بين 4.5%‏ و5.5% في أفق خمس سنوات، وذلك بالوقــت الذي قال فيه البنك المركزي المغربي مؤخرًا إن توقعات النمو الاقتصادي في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد ستبلغ 4.3% للعام الجاري، و3.1% خلال العام المقبل.

وشهدت بداية العام الجاري أعلى نسبة في التضارب في أرقام النمو، فبينما نص مشروع قانون الموازنة على فرضية نسبة نمو في حدود 4.5% خلال 2017، كشف «المركزي» عن توقعاته بنسبة نموّ تبلغ 4.2% في 2017، و3.7% في 2018، بالوقــت الذي قال فيه المندوب المغربي للتخطيط، إنه من «المرتقب أن يسجل الاقتصاد الوطني للعام الجاري معدل نمو يصل إلى 3.6%»، وتوقع البنك الدولي في تقرير صدر يناير (كانون الثاني) الماضي تحسن النمو الاقتصادي في المغرب ليصل إلى 4%، ليهبط خلال عامي 2018 و2019 إلى 3.5% و3.6% على التوالي.

Embed from Getty Images

من جانبها توقعت بعثة صندوق النقد الدولي التي زارت البلاد مطلع العام، أن يبلغ نمو الاقتصاد المغربي 4.4%، وهو التقدير الأقرب إلى الحكومة المغربية، الذي لم يتجاوز نسبة 4.5%، إلا أن الصندوق توقع في 11 يوليو (تموز) الماضي ارتفاع معدل النمو الاقتصادي بالمغرب إلى 4.8% بنهاية العام الجاري.

وفي المقابل، رفع وزير المالية والاقتصاد المغربي، محمد بوسعيد، توقعاته للنمو من 4.5% إلى 4.8% خلال 2017، بالوقــت الذي ذهب فيه المركز المغربي لدراسة الظرفية إلى أن معدل نمو الاقتصاد المغربي يمكن أن يرتفع إلى 7.5%، حال تحققت مجموعة من الشروط، منها إعادة توجيه نموذج النمو الاقتصادي في اتجاه الاعتماد على الصادرات، ومراجعة سياسات الاستثمار والتشغيل، وإنجاز الإصلاحات الهيكلية الكبرى في مجالات التدبير والإدارة والقضاء وتحرير الصرف وإصلاح الجبايات.

كشف المركز خلال دراسة استشرافية لآفاق النمو الاقتصادي للمغرب تحت عنوان «أي سبل للإقلاع؟ سيناريوهات النمو بين 2017 و2030»، أنه «بمتابعة معدلات النمو المتوسطة خلال العقدين الأخيرين، نلاحظ أن التوجه العام انخفاضي، فقد نزلت من 5% بين 2001 و2005 إلى 4.9% بين 2006 و2010، ثم إلى 3.9% في المتوسط ما بين 2011 و2015، ونستنتج من هذا التطور أن نموذج النمو الذي اعتمده المغرب منذ بداية الألفية بدأ يستنفد قدراته، وبالتالي أصبح علينا البحث عن محركات نمو جديدة»، وذلك حسبما قال محمد العبودي، المدير العام للمركز.

اقرأ أيضًا:

قال طارق المالكي، مدير التنمية بالمركز، في تصريح لصحيفة «الشرق الأوسط»، إن اقتصاد بلاده يمتلك مقومات تمكنه من تحقيق أفضل السيناريوهات، أي بلوغ معدل نمو يتراوح بين 6.5 و7.5%، ولكن ذلك يتطلب إرادة سياسية قوية وشجاعة كبيرة للقيام بالإصلاحات اللازمة.

المناخ.. أهم محركات نمو الاقتصاد المغربي

يرى مختصون في الشأن الاقتصادي أن الفجوة الحاصلة بين نسب النمو المتوقّعة والمسجّلة للاقتصاد المغربي بارتباط الأخير بالعوامل الطبيعية وخصوصًا المطر، وهو أيضًا نفس السبب الذي ترى المندوبية السامية للتخطيط – المؤسسة الرسمية المكلفة بالإحصاء – أنه سبب النمو القوي في الربع الثاني من العام، موضحة أن زيادة الناتج الزراعي 17.4% بفضل هطول أمطار غزيرة بعد موجة جفاف حاد العـام المنصـرم، هي الداعم الأساسي للنمو.

Embed from Getty Images

المندوبية السامية قالت إن تراجع النمو الاقتصادي بقوة العـام المنصـرم، جاء وراء انخفاض قوي للنشاط الفلاحي ونمو متواضع للأنشطة غير الفلاحية، إذ تراجع النمو بسبب انخفاض حجم القيمة المضافة للقطاع الفلاحي بنسبة 12.8% في 2016، مقابل ارتفاع قدره 11.9% سنة 2015، وتعتبر الفلاحة من أهم القطاعات التي يعتمد عليها الاقتصاد المغربي، وتساهم بشكل كبير في ارتفاع أو انخفاض معدل النمو الاقتصادي، ووفق إحصاءات وزارة الفلاحة، فإن الأنشطة الزراعية توفر حوالي 4 ملايين فرصة عمل، ويساهم القطاع الزراعي بـ14% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

ويقول الخبير الاقتصادي المغربي، المهدي فقير، إن النمو الاقتصادي للبلد ما زال يرتهن بحجم التساقطات المطرية (الأمطار)، وهذا خلل هيكلي يعاني منه الاقتصاد الوطني، موضحًا: ليست لدينا فلاحة عصرية ولا بنيات تحتية قوية، نعاني من إشكال بنيوي، ويجب أن نخرج من ربقة التبعية للقيمة المضافة الفلاحية للرفع من نسبة النمو.

ويبرز تأثير المناخ في نمو اقتصاد البلاد من خلال المقارنة بين العام الجاري والعام الماضي، إذ شهد قطاع الصناعات الغذائية في المغرب انتعاشًا كبيرًا في العام الحالي، بعد موسم زراعي جيد بسبب مستويات هطول الأمطار، مقارنة بهبوط حاد.

وزير التشغيل والإدماج المهني من جانبه يؤكد أن طموح حكومته مرتبط بعدد من المتغيرات الداخلية (الفلاحة وتساقطات الأمطار)، إلا أنه قال: «سنعمل على تغيير بنية نظام الإنتاج والاقتصاد، من اقتصاد يعتمد على الفلاحة إلى نموذج يعتمد أكثر على الصناعة والصناعات الواعدة والخدمات والاقتصاد الرقمي».

بين الحاضر والمستقبل.. أين يقف الاقتصاد المغربي؟

بالرغم من أن حال الاقتصاد المغربي ربما يكون أفضل من كثيرٍ من الدول العربية إلا أن الموازنة المغربية تعاني عجزًا مزمنًا، تراوحت نسبته للناتج المحلي الإجمالي بالسنوات الخمس الأخيرة، ما بين 4% بالعام الماضي و9.5% بالعام الأسبق، فيما يحتل اقتصاد البلاد المركز الـ62 عالميًا من حيث الناتج المحلي الإجمالي بسعر الصرف بقيمة 100 مليار دولار بالعام الأسبق، وبالعام الماضي المركز 59 بالناتج بتعادل القوى الشرائية.

وعلى مستوى ميزان المدفوعات فإنه يحقق فائضًا بمعظم السنوات الأخيرة، إلا أنَّه يعاني عجزًا مزمنًا بالميزان التجاري السلعي خاصة مع استيراده غالب احتياجاته من الوقود، ورغم تحقيق ميزان التجارة الخدمية فائضًا مستمرًا بفضل عائداته السياحية المرتفعة، إلا أنه لا يفي بسداد العجز السلعي.

Embed from Getty Images

ويعد اعتماد التجارة المغربيَّة على الدول الأوروبية مشكلة أساسية كذلك، حيث اتجهت نسبة 22% من صادراته بالعام الأسبق لإسبانيا، و20% لفرنسا و5% للهند و4% لكل من الولايات المتحدة وإيطاليا، وجاءت نسبة 14% بوارداته السلعية من إسبانيا وفرنسا 12% والصين 8.5% والولايات المتحدة 6.5% وألمانيا 6% وإيطاليا 5.5%.

وتأتي نسبة صادرات المغرب في المنطقة العربية بالسنوات الخمس الماضية ما بين 4% إلى 6% فقط، والتي اتجهت للجزائر والسعودية والإمارات والعراق ومصر وتونس وقطر، وتراوحت نسبة وارداته البينية عربيًا ما بين 13% إلى 15%، من السعودية والجزائر ومصر وتونس وموريتانيا ولبنان.

وتراهن الحكومة المغربية على توسيع قاعدة دافعي الضرائب من الشركات، من أجل تعزيز خزينته العمومية وعدم الارتهان للإيرادات الاستثنائية، مثل الهبات التي توفرها دول مجلس التعاون الخليجي، وإيرادات الخصخصة، إذ حصل المغرب العـام المنصـرم على هبات خليجية تناهز 720 مليون دولار، رغم أنه كان يراهن على بلوغها نحو 1.3 مليار دولار.

اقرأ أيضًا:

وجاءت نتائج الاقتصاد المغربي في العـام المنصـرم دون التوقعات، فقد ارتفع عجز الموازنة وفق البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة المالية، إلى 3.9%، رغم أن الحكومة كانت تستهدف خفضه إلى 3.5%، ثم إلى 3% خلال العام الجاري 2017، وذلك بسبب ضعف الإيرادات وتراجع المنح الخليجية.

ويبلغ عدد الشركات الملزمة بالضريبة، وفق البيانات الرسمية، أكثر من 278 ألف شركة، بينما وصل عدد الملزمين بالضريبة على الدخل نحو 6 ملايين مواطن، بينما تتوقع الخزانة العامة للمملكة تحصيل إيرادات ضريبية بقيمة 20.9 مليار دولار في العام الجاري، بينما تترقب إيرادات غير جبائية بنحو 14.2 مليار دولار، لكن لا يمكن أن تسعف الضرائب فقط البلاد لتحقيق نمو مستقر، فيما يوصي الخبراء الحكومة بالعمل على جذب المزيد من الاستثمارات الأجنبية.

Embed from Getty Images

وقال رئيس الحكومة المغربية سعد الدين العثماني: «إن كنا تجاوزنا مرحلة الخطر، فإن توازناتنا للاقتصاد الجزئي لا تزال هشة»، مضيفًا: «يجب أن نواصل الجهود من أجل تقليص المديونية إلى ما دون 60% بحلول 2021»، ويستند مشروع قانون الموازنة لسنة 2018 على أربع أولويات، تتعلق بدعم القطاعات الاجتماعية، وتطوير التصنيع وتحفيز الاستثمار الخاص، وترسيخ الجهوية المتقدمة (نظام شبه فيدرالي)، وإصلاح الإدارة وتحسين الحكامة.

وفي أبريل (نيسان) الماضي، قالت وزارة الاقتصاد والمالية المغربية إن حجم الدين الخارجي للبلاد ارتفع في 2016 إلى 312.3 مليار درهم (30.9 مليار دولار)، من 301 مليار درهم (29.8 مليار دولار) في 2015.

اقرأ أيضًا:

ومؤخرًا، قال محافظ البنك المركزي المغربي عبد اللطيف الجواهري، الثلاثاء، إن بلاده بحاجة إلى البدء في تنفيذ تعويم الدرهم، بعد تأجيله من طرف الحكومة نهاية يونيو (حزيران) الماضي، مشيرًا إلى أن التعويم سيساعد البلاد على الإقلاع (التقدم) الاقتصادي، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وكان «المركزي» أعلن في 20 يونيو (حزيران) الماضي، عن قرار تعويم الدرهم بشكل رسمي انطلاقًا من يوليو (تموز) الماضي، إلا أن الحكومة المغربية قررت تأجيل التعويم بدون تحديد موعد محدد للتنفيذ.

المصدر : ساسة بوست