كيف يستبعد النظام الجزائري المنافسين المحتملين لخلافة بوتفليقة؟
كيف يستبعد النظام الجزائري المنافسين المحتملين لخلافة بوتفليقة؟

في سنة 1999 ترشّح رئيس حركة مجتمع السلم (إخوان الجزائر) محفوظ نحناح للانتخابات الرئاسية أمام مرشّح السلطة عبد العزيز بوتفليقة. كان بوتفليقة قد غادر البلاد منذ أكثر من 20 سنة بعد وفاة الرئيس بومدين، بينما كان محفوظ نحناح معروفًا في الأوساط الشعبية، كما أنّه أبلى حسنًا في انتخابات الرئاسة سنة 1995 بحصوله على 3 ملايين صوت رغم التزوير -كما يرى مراقبون -، لذلك أحسّ النظام السياسي بالخوف من ناحيته ومن إمكانية تغلّبه على المرشّح الذي توافق عليه الجيش آنذاك (بوتفليقة) بحكم شعبية «الشيخ محفوظ» المعتبرة، فما كان من النظام إلا أن رفض ترشّحه بذريعة أنه لم يشارك في الثورة التحريرية (أحد الشروط اللازمة للترشّح للرئاسة) رغم شهادة قادة ثوريين كبار له بالمشاركة.

منذ ذلك الحين، يستعمل النظام السياسي الجزائري عدّة أساليب لتحييد المرشحين الرئاسيين الذين قد يشكّلون خطرًا على السيناريو المرسوم باستخدام أساليب متنوّعة أحدها سيف القانون كما حصل مع محفوظ نحناح.

في نظر العديد من المحللين، يجري التحضير لخلافة بوتفليقة بوتيرة متسارعة، خصوصًا بسبب مرض الرئيس الذي يجعل من مسألة التوافق على من سيخلفه قضيّة بالغة الأهمية والاستعجال، وفي نفس الوقت فإن تحجيم دور المنافسين المحتملين والتقليل من تأثيرهم وشعبيتهم يدخل في إطار استراتيجية النظام في انتقال سلس لكرسي الرئاسة من بوتفليقة إلى شخص آخر من داخل المنظومة التي تتوافق عليها الأطراف الفاعلة كمؤسسة الجيش والرئاسة والمخابرات.

في هذا التقرير نرصد الأساليب التي يتعامل بها النظام مع المرشحين الرئاسيين المحتملين لانتخابات 2019 الرئاسية وكيف تبعد السلطة المرشحين غير المرغوب فيهم بأدواتها القانونية والإعلامية، وانعكاساتها على حظوظهم في الوصول إلى عرش المُرادية.

رمضان لعمامرة.. في الأسفار 5 فوائد

هل يُذكّر رمضان لعمامرة الرئيسَ بوتفليقة بنفسه حين كان وزيرًا للخارجية في شبابه؟ تخرّج «الدبلوماسي المخضرم» في المدرسة العليا للإدارة، المدرسة التي تتكوّن فيها أغلب القيادات العليا في الدولة، وعمل في سلك الدبلوماسية لأكثر من 30 سنة سفيرًا للجزائر في عدّة دول من بينها الولايات المتحدة الأمريكية (1996-1999) وسفيرًا للجزائر في الأمم المتحدة (1993-1996)، ثم سكرتيرًا عامًّا لوزارة الخارجية (2005-2007) فوزيرًا للخارجية في سبتمبر 2013 ليُقال من منصبه في التغيير الحكومي بعد انتخابات أبريل (نيسان) 2017، ليشاع أن خلافًا بينه وبين الرئيس كان سببًا في إنهاء مهامه.
Embed from Getty Images
وزير الخارجية السابق رمضان لعمامرة.

يُعرف عن الرئيس بوتفليقة أنه متشدّد في مسألة التحكّم في ملفّ الخارجية ولا يقبل أن يزاحمه شخص آخر في رسم هذه السياسة أو ينتهج خطًا مستقلًا عنه، فقد رجّح المراقبون في سنة 2005 أن تكون إقالة بوتفليقة لمساعده المقرّب عبد العزيز بلخادم الذي كان وزيرًا للخارجية آنذاك جاءت بسبب خروجه ولو بشكل طفيف على سياسة بوتفليقة الخارجية التي رسمها في التعامل مع الحكومة الفرنسية.

أدى لعمامرة مهمته على رأس وزارة الخارجية بكل كفاءة ومهنية بشهادة الصحافة الجزائرية في فترة حساسة، فقد أدار ملف العلاقات مع ليبيا المنقسمة ومحاولات الوصول إلى حل لهذا الانقسام، بالإضافة إلى جهود في مالي التي شهدت تدخلًا عسكريًا فرنسيًا في سنة 2013 من أجل لمّ شمل أطرافها المتنازعة، وقد حقّق نجاحًا معتبرًا في ملفّ الطاقة بعد «اتفاق الجزائر» في 2016 الذي نجح لأوّل مرة منذ سنين طويلة في الوصول إلى اتفاق بين البلدان المنتجة للمحروقات بخفض إنتاجها من أجل الحدّ من انهيار أسعار النفط.
كان من الواضح أن لعمامرة بدأ يصبح مصدر إزعاج في الرئاسة عندما سجّلت الصحافة اعتراضًا على وجود رأسين للخارجية في الدولة بمزاحمة عبد القادر مساهل الذي شغل منصب «وزير الشؤون الأفريقية والجامعة العربية». لعمامرة منزعج من وجود رأسين للدبلوماسية، وبوتفليقة منزعج من وجود أي شخص غيره يزاحمه في رسم السياسة الخارجية الجزائرية.

facebook

لن ينزعج لعمامرة بعد الآن من وجود رأسين للدبلوماسية في الدولة، لأنه سيطاح به وسيُعيَّن غريمه في منصبه بعد الانتخابات التشريعية في مايو (أيّار) 2017، وسيغادر الحكومة وسط دهشة الكثيرين، وقد رأى بعض المحلّلين أنه دفع ثمن كفاءته في بلد يحاصر الكفاءات ويحجّم دورها خوفًا من خروج نفوذها عن السيطرة.

لكن لعمامرة لن يحال على البطالة بعد خروجه من الحكومة كما يحدث مع الكثير من الوزراء، فستنهال عليه العروض الدولية من أجل الوساطة فها هو الأمين العام للأمم المتحدة يطلب أن يكون العمامرة في لجنة مستشارين مكوّنة من 18 اسمًا، كما أن مفوّضية الاتحاد الأفريقي تريد الاستفادة من خبرته الدبلوماسية الطويلة مستشارًا لرئيسها التشادي.

قد تكون هذه العروض الدبلوماسية المغرية بريئة، كما قد تكون محاولة من النظام الحاكم لإبعاده من الساحة السياسية الداخلية حتى تنفي أي تهديد من جانبه بوصفه مرشحًا محتملًا لرئاسيات 2019 التي تقترب شيئًا فشيئًا، لذلك تمّ إبعاد صوته القويّ في بلد صَمَتَ رئيسُه منذ سنوات.

ولا توجد مؤشرات تدلّ على رغبة لعمامرة في الترشح للرئاسة من عدمها، فابن النظام الوفي الذي خدمه في سلك الدبلوماسية لمدّة 30 سنة يتصرّف كما يتصرّف جميع أبنائه المخلصين: التحرّك في الغرف المغلقة وعدم إعطاء أي تصريحات إعلامية مثيرة بشأن مستقبله السياسي.

وليس لعمامرة أوّل من يُرسَل في مهام أجنبية من أجل تحييد خطره الداخلي والتخلص من الإزعاج الذي قد يسببه، فالنظام الجزائري استخدم هذا السلاح من قبل لتحييد الأصوات العالية المزعجة، فالسفير الجزائري الحالي في تونس وقبلها بدولة مصــر «عبد القادر حجّار» أيضًا تمّ إبعاده إلى الخارج بسبب مواقفه الحادة ونفوذه القويّ داخل الحزب الحاكم (جبهة التحرير الوطني).

بن فليس: الإعدام السياسي رميًا بالإعلام

بعد غياب لمدة 10 سنوات عن الساحة السياسية، عاد رئيس الوزراء السابق وذراع بوتفليقة اليمنى الذي انشقّ عنه ليترشّح ضده في الانتخابات الرئاسية لسنة 2014. يعود بن فليس ليواجه بوتفليقة في جولة ثانية كما يحدث في الملاكمة بعد أن خسر الأولى في 2004، لكن هذه المرّة سيعود بشعر شائب، وأمام رئيس مريض.

أن تترشح أمام رئيس الجمهورية بعد أن كنت يومًا في فريقه يدخل في إطار حقوقك السياسية باعتبارك مواطنًا في الدول الديمقراطية، لكن في الجزائر ربما يجعل منك ذلك خائنًا خارجًا على الطاعة تستحقّ التشويه والاتهام بالخيانة في نظر الإعلام.
بن فليس يملك كلّ مكوّنات الوصفة التي تجعله سهل الهجوم عليه وتشويهه في الإعلام الموالي للسلطة، فهو مدير الحملة الانتخابية لبوتفليقة في سنة 1999 ثم مدير ديوانه في الرئاسة ثم رئيس وزرائه، بعد كل هذه الثقة التي وضعها فيه الرئيس، تجرّأ ليترشّح ضده في سنة 2004 ثم مرّة أخرى في 2014.

Embed from Getty Images
رئيس الوزراء السابق علي بن فليس في ندوة صحافية 2014.

بعد أن أعلن ترشّحه وبدأ في تنظيم قواعده، شعر النظام بالخطر الذي قد يأتي من الشرق، حيث ينحدر بن فليس من ولاية باتنة التي لها تاريخ طويل في الجهاد ضد الاستعمار الفرنسي، كما أن نفوذ المنحدرين من هذه الولاية في صفوف الجيش والأجهزة الأمنية لا يخفى على أحد، لذلك تعامل النظام السياسي مع بن فليس باعتباره منافسًا حقيقيًا قد يهدد حظوظ بوتفليقة المريض الذي لم تعد له نفس الجاذبية والنشاط السابقين، كما أن تنقّله بكرسي متحرّك وصيامه عن الكلام منذ سنوات بسبب المرض أفقده الكثير من بريقه.

لمواجهة هذا التهديد المحتمل، انطلقت الآلة الإعلامية الموالية للسلطة في تشويه بن فليس وتلفيق التهم ورسم صورة مخيفة عنه، باتهامه مرّة بأنه يحرّض على العنف في حال خسارته، و من أجل الخروج والتظاهر، واتهام أنصاره .

بقيت هذه الحملة الإعلامية الشرسة ضد المرشح بن فليس مقصورة على قناة النهار القريبة من النظام الحاكم، لكنها أخذت طابعًا رسميًا آخر تمامًا حين انضمّ إلى حملة التشويه آخِر شخص يمكن أن يُتوقّع تدخّله، إنه الرئيس نفسه.

خلال زيارة وزير الخارجية الإسباني للجزائر في أبريل (نيسان) 2014، أي قبل أسبوع فقط من يوم الانتخابات، استقبله بوتفليقة وجلس يحاوره، وأمام مرأى شاشات التلفاز اشتكى الرئيس الذي صمت دهرًا للوزير الإسباني من وجود تجاوزات في الحملة الانتخابية و«دعوات عنف» حسبه، في إشارة إلى المرشّح بن فليس.

«هناك مرشّح يهدد السلطات العموميّة والولاة وأبناءهم في حال حدوث تزوير، هذا إرهاب عبر التلفاز»، في إشارة إلى بن فليس قبلها بيوم في التلفزيون الجزائري الرسمي.

كلمات صادمة خرجت من الرئيس الذي لا يتحدّث كثيرًا، عبّرت عن هلع النظام من احتمالية خروج الانتخابات عن الخطّ المرسوم.

بعد هزيمة بن فليس في الانتخابات وتأسيسه حزبًا جديدًا، لم تهدأ الحملة الإعلامية ضده وضد حزبه، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات الفارقة في 2019. واصلت القناة ذاتها سياستها نفسها في التشكيك في المنتمين لحزب «طلائع الحريّات» والتّلميح إلى أن أعضاء مشبوهة، وإذاعة أخبار عن .

رشيد نكاز.. الإقصاء بالدستور

ربما سخر منه الكثيرون بسبب لكنته الطريفة بحكم طفولته في فرنسا، لكن بعد أشهر معدودة بدا جليًّا أن رجل الأعمال الفرانكو جزائري يثير هلع النظام الجزائري، فيأمر أجهزة الأمن بأن تضيّق عليه وتلاحقه أينما حلّ وارتحل.

رشيد نكّاز رجل أعمال وسياسي جزائري ولد في فرنسا لأبوين جزائريين، نشط سياسيًا لفترة معيّنة في الساحة السياسية الفرنسية بترشّحه للانتخابات البرلمانية 2008 ثم الرئاسية 2012 في فرنسا، وقد نال صدى إعلاميًا واسعًا بتصديه للقانون الفرنسي الذي يغرّم النساء اللواتي يرتدين البرقع أو النقاب في الأماكن العمومية وتكفّل بتسديد غراماتهن مما أكسبه شهرة معتبرة كحامٍ للحريّات خصوصًا في أوساط المسلمين في المهجر.

اقرأ أيضًا: رشيد نكاز.. الملياردير الجزائري المثير للجدل صاحب الأحلام العابرة للقارات

في سنة 2014 قرّر العودة إلى الجزائر والتخلي عن الجنسية الفرنسية وتركيز كل نشاطه على الجزائر، فترشّح للانتخابات الرئاسية وقد حظي برنامجه الانتخابي وخطابه السياسي البسيط والواضح البعيد عن لغة الخشب وسط ساحة سياسية مملّة ومصابة بداء الشيخوخة باهتمام الشباب بشكل واسع.

رشيد نكاز يدفع غرامات المنقّبات. مصدر الصورة: MIGUEL MEDINA/AFP/Getty Images

عندما اتجه رشيد نكاز إلى مقرّ «المجلس الدستوري» الذي يدرس ملفات المترشحين ويعاين عدد استمارات التوقيعات المطلوب جمعها من أجل الترشح، حدث ما لم يكن ينتظره رشيد نكاز الذي اعتقد أن الترشح لرئاسيات الجزائر يتم ببساطة الترشح للرئاسيات في فرنسا. فبينما يجلس رشيد نكاز في أريكة مريحة داخل مقر المجلس الدستوري ويثني على المؤسسة في موقع فيسبوك وكيف أنهم قدّموا له عصير البرتقال المنعش، كان «مجهولون» يعملون في الخفاء من أجل مسحه من سباق الرئاسة.

فقد تمّت في تلك الليلة سرقة آلاف الاستمارات التي أتى بها في سيارته بعد مكالمة هاتفية تلقاها أخوه يعده فيها شخص مجهول بأنه قد حصل على عدد جديد من الاستمارات، لتتم الإطاحة به في فخ وتُسرق الاستمارات التي كانت في مؤخرة السيّارة، بحسب رواية نكاز، ولم يجر التأكد من هويّة المسؤولين على هذه الحادثة أو صلتهم بالسلطات من عدمها.

إذا تجاهلنا حادثة سرقة الاستمارات، فلعلّ السلطات لم تعبأ كثيرًا بهذا الشخص الذي لا يستطيع حتى تكوين جملة مفيدة بالعربية وربما اعتبرته في البداية مجرّد ظاهرة إعلامية سرعان ما ستختفي بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية كحال الكثير من المرشحين الذين يبحثون عن شهرة مؤقتة مع انعدام فرص نجاحهم، لكن بعد الوقفة التي دعا إليها في ساحة البريد المركزي في العاصمة الجزائر والتفاف مئات الشباب حوله واستجابتهم لتلك الوقفة – سواء بدافع الفضول أو التأييد – غيّر حسابات السلطة وصارت تنظر إليه كحصان أسود غير مؤتمن الجانب.

رشيد نكاز في ساحة البريد المركزي. المصدر: ELBILADE.NET


توالت أنشطة نكّاز وزادت شعبيته بتبنيه قضايا حقيقية في الميدان وابتعاده عن التنظير، كالتحاقه بالاحتجاجات ضد استخراج الغاز الصخري في ولاية ورقلة بالصحراء وتظاهره أمام أملاك بعض المسؤولين الجزائريين في فرنسا واتهامه إياهم بأن هذه الأملاك من أموال الشعب.

الرجل كتلة من النشاط لا تكلّ ولا تملّ، وهذا سلب عقول الكثير من أنصاره، وقد استغلّ النظام فرصة التعديلات الدستورية التي وعد بها الرئيس بعد انتفاضة الربيع العربي، لكن بدل أن تعزّز هذه التعديلات الدستورية الحريّات وتوسّع مجال المشاركة السياسية لكل المواطنين، قامت السلطة بتفصيل مادة دستورية على مقاس «رشيد نكّاز» حتى تمنعه من الترشّح للرئاسة مستقبلًا من خلال استحداث شرط جديد (المادة 87): أن يكون المترشح قد أمضى على الأقل عشر سنوات من عمره داخل الجزائر، الشيء الذي لا ينطبق على نكّاز.

وبلغت جرأة السلطة أن أعلنت على لسان رئيس ديوان الرئاسة أحمد أويحيى خلال إعلانه للدستور الجديد أن المادة الدستورية قد جاءت فعلًا بسبب «رشيد نكاز» وإن كان قد أشار إليه ضمنًا دون أن يسمّيه، في مشهد رآه بعض المعارضين أقرب إلى الكوميديا منه إلى القانون الدستوري الذي ينصّ على أن أهم سمات الدساتير هي عدم الشخصنة.

قبل أيّام قليلة جرى من قبل أحد أقارب رئيس الحزب الحاكم (جبهة التحرير الوطني) أمام شقّته في فرنسا حيث كان يتظاهر نكّاز ضد الفساد مما أدّى إلى إصابته بشكل بالغ في وجهه. هذه الحادثة توضّح بالنسبة للبعض حجم الإزعاج الذي يسببه نكاز لمن في السلطة والمحيط المقرّب منهم، وفي نفس الوقت حجم إصرار نكّاز على السير في خطّ النضال الذي بدأه منذ عاد إلى الجزائر في سنة 2014.

أويحيى.. لا تقترب حدّ الاحتراق

ليس من المبالغة القول إن الوزير الأول أحمد أويحيى من بين السياسيين الأقل شعبية في الجزائر بحسب الكثير من المحللين، فقد ارتبط اسمه طوال مساره السياسي بالأزمات الخانقة، فإلى جانب الأزمة الأمنية العنيفة خلال العشرية السوداء، ارتبطت رئاسته لمجلس الوزراء في المرّة الأولى بالإجراءات التقشفية القاسية وبيع المؤسسات الاقتصادية الوطنية للخواص وتسريح عمّال وتحكّم صندوق النقد الدولي بالاقتصاد والقرار الوطني، كما ارتبطت المرّات التالية التي ترأس فيها الحكومة في عهد بوتفليقة بالفضائح المالية والزيادات الضريبية في ظلّ ارتفاع قياسي لأسعار البترول التي فاقت الـ100 دولار، بينما لم تنعكس إيجابًا – كما يرى مراقبون – على مستوى المعيشة بالنسبة للمواطن الجزائري.

Embed from Getty Images
أحمد أويحيى في البرلمان الجزائري.

وتولّى أحمد أويحيى منذ مارس (آذار) 2014 منصب مدير ديوان الرئاسة، منصبًا حسّاسًا في مؤسسة الرئاسة جعل كثيرين يرجّحون أنه قد يكون تمهيدًا لتزكيته كخليفة لبوتفليقة في المرحلة القادمة، واعتبرها البعض فترة تدريبية لإعداده لمنصب الرئاسة بعد عهدته الرابعة. بعد سؤاله عن سبب عدم ترشّحه للرئاسة ضد بوتفليقة أجاب أحمد أويحيى بأنه «لن يترشّح ضد بوتفليقة أبدًا».

جاءت إقالة عبد المجيد تبون في 15 أغسطس (آب) بعد أقل من ثلاثة أشهر على تنصيبه وزيرًا أول، وقرّرت الرئاسة إسناد المهمّة إلى ابن النظام الوفيّ الذي خدمه أكثر من 40 سنة وتحت قيادة ستة رؤساء مختلفين. مهمّة ملغّمة بمشاكل اقتصادية تكاد تودي بالاقتصاد الوطني إلى الهاوية، ولعل تعبيره في البرلمان عند عرض مخطط حكومته بقوله «مكاش الفلوس» (لا يوجد مال) و«الموس وصل للعظم» (السكين وصلت إلى العظم) يُعتبر أحسن توصيف للأزمة التي تعيشها الجزائر، في ظلّ غياب كامل للرئيس.

اضطرت هذه الوضعية المالية الصعبة الحكومة التي يترأسها أويحيى إلى اتخاذ إجراءات غير شعبية كزيادات في أسعار المواد المدعمة كالبنزين ورفع الضرائب على عدة مواد استهلاكية في قانون المالية القادم، كما أن خطّته المثيرة للجدل المتمثلة في طباعة النقود أو «التمويل غير التقليدي» جعلت الشارع يتخوّف بشدة من انهيار القدرة الشرائية المتدهورة أساسًا وارتفاع أسعار المواد الأساسية.

كل هذه الإجراءات غير الشعبية التي تذكي سخط المواطنين قد تكون المشنقة التي تنفّذ حكم الإعدام على حظوظ أويحيى في الجلوس على مقعد الرئاسة، فالنظام السياسي لن يخاطر بترشيح شخصية لا تحظى بحدّ أدنى من القبول الشعبي على الأرجح، خصوصًا مع صعوبة الأوضاع الاقتصادية التي لا تحتمل المزيد من الاحتجاجات. فهل ستكون مسيرة أويحيى الطويلة وخبرته في أروقة الدولة هي الميزة والعيب في نفس الوقت؟

تبّون خسر المعركة.. فهل فاز بقلوب المشاهدين؟

جاءت إقالة عبد المجيد تبّون بسرعة صاروخية لم يتوقّعها الكثيرون، فالرّجل الذي استعان به بوتفليقة فور وصوله إلى السلطة سنة 1999 لم يدم على رأس الوزارة الأولى أكثر من 83 يومًا، وقد رجّح كثيرون أن يكون مشروعه الطموح في فصل «المال عن السياسة» ومضايقاته لرجال الأعمال القريبين من السلطة هي من وقّعت على قرار إقالته.

اقرأ أيضًا: سلطة المال.. كيف انتصر رجال الأعمال على «تبون» في الجزائر؟

Embed from Getty Images
الوزير الأول السابق عبد المجيد تبون.

عبد المجيد تبّون شغل عدّة مناصب خلال عهد بوتفليقة فكان وزيرًا للإعلام والثقافة ثم وزيرًا للجماعات المحليّة فوزيرًا للسكن والعمران، الأمر الذي أكسبه شعبية كبيرة من خلال إشرافه على توزيع السكنات الاجتماعية على المواطنين الذين يؤرق عيشهم مشكل السكن.

وقد ارتفعت شعبيته أكثر بعد تنصيبه وزيرًا أول وبدئه حربًا غير معلنة على رجال الأعمال المشتبه في تورطهم في قضايا فساد، حيث وجّه إليهم إنذارات عبر الصحافة العمومية بسبب تأخرهم في تسليم المشاريع العمومية الموكلة إليهم، كما أنه ضيّق على عمليات الاستيراد من أجل إيقاف نزيف العملة الصعبة المتجهة إلى الخارج خصوصًا وأن البلاد تعيش أزمة اقتصادية خانقة.

هذه الإجراءات جعلت البعض ينظر إليه كرجل الدولة الذي يقف في وجه أثرياء يزدادون ثراءً على ظهر الجموع الفقيرة ويحتكرون الثروة بفضل علاقاتهم مع رجال السلطة الأقوياء الذين يحمون استثماراتهم.

اقرأ أيضًا: «أردوغان الجزائر».. هل سيكون عبد المجيد تبون رجل المرحلة بعد بوتفليقة؟

جاءت إقالته لتزيد شعبيته باعتباره ضحية لعمليّة التطهير المالي التي باشرها فور استلامه المنصب.

لا توجد أي إشارة أو تصريح حول موقف عبد المجيد تبّون من الترشح لرئاسيات 2019، لكن ليس من المبالغة القول إنه إن كان قد بقي في منصبه وواصل سياسته في محاربة الفساد المالي وفصل المال عن السياسة وتحجيم سلطة رجال الأعمال، وأحسّ المواطن البسيط بانعكاس هذه الإجراءات إيجابًا على أحواله المعيشية، فإنه سيكون مرشّحًا قويًّا لخلافة بوتفليقة في الانتخابات الرئاسية القادمة، لكن الإقالة جاءت لتضع حدًّا لهذه الاحتمالات، فأرسلت تبّون إلى بيته مؤقتًا، دون أن يُعرف إن كان قد جعلت منه شخصية تحظى بشعبية في الشارع بوصفه محاربًا للفساد وبالتالي له حظوظ في المنافسة على الرئاسة أم أن هذه الإقالة قد أنهت طموحاته السياسية إلى الأبد.

المصدر : ساسة بوست