بعد انتحار قرد في غزة.. لماذا «تنتحر» الحيوانات؟
بعد انتحار قرد في غزة.. لماذا «تنتحر» الحيوانات؟

تناولت بعض الصحف في الآونة الأخيرة خبر انتحار قرد في حديقة حيوان غزة. أثار الخبر العديد من التساؤلات حول إمكانية انتحار الحيوانات، وهل هي مثل البشر تحكمها نفس الدوافع وتتخذ قرارات مشابهة؟ لقد حُكمت تلك النقاشات بثقافة تعتمد بشكل رئيس على المنظور الرومانسي، الذي يعتبر أن الانتحار هو سلوك منطقي يقوم به الإنسان لدوافع عقلية معينة وظروف خاصة. هل هذه النظرة تعبر عن حقيقة موضوع انتحار الحيوانات؟ هذا ما سيتناوله هذا التقرير.

على مر العصور كان موضوع إقدام الحيوانات على الانتحار مسار تساؤل وجدل شديدين، فكانت هناك الكثير من الشواهد التي ترجح أن الحيوانات تفضل أحيانًا إنهاء حياتها بنفسها، وهناك بالفعل شواهد على حيوانات من فصائل مختلفة يبدو أنها قامت بشكل إرادي بإنهاء حياتها. أشهر تلك القصص كانت عام 1845 عندما أقدم كلب وُصف بأنه كلب لطيف ووسيم على الانتحار.

الكلب شوهد يقفز في الماء ثم لا يحرك ساكنًا بأطرافه الأربعة، وهو الفعل غير المعتاد على الإطلاق في عالم الكلاب، ما يدل على رغبته في ألا يسبح أو يتحرك ولكن الغوص في الماء إلى الأعماق. الأغرب من ذلك والمثير للحيرة أن الكلب كان قد أُنقذ بالفعل، لكنه كان دائمًا ما يكرر نفس الفعل عندما يُطلق سراحه ثانية وكان يُنقذ من قبل المراقبين بشكل متكرر. في نهاية المطاف نجح الكلب في الوصول لغايته وترك جسده ليأنس بوحدته الأبدية في الأعماق.

انتحار الحيوانات.. الموضوع القديم الحديث

هذه الحادثة لفتت أنظار العالم لهذا النوع من السلوك في مملكة الحيوان، لتظهر بعد ذلك تقارير لمشاهدات تسرد قصة بطة تغرق نفسها عن عمد، وقطة قررت أن تشنق نفسها على فرع شجرة بعد أن فقدت صغارها. هذه القصص على شهرتها لم تكن تستند لأي دراسة علمية لكنها في المقابل كانت تعكس مشاهدات لأشخاص عاديين لا يمكن اعتبار ما شاهدوه حقيقة دامغة.

Embed from Getty Images

الكلاب تدخل في حالات من الحزن الشديد عندما يموت أصحابها

حادثة أخرى أصبحت سببًا لتتغير حياة «ريك أوباري»، مؤسس مشروع الدولفين «Dolphin Project» صاحب الوثائقي الشهير «الخليج» الذي نال شهرة عالمية حيث عرض لأول مرة عام 2009 ليحصل بعدها بعام على جائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي وكان قد عمل مدربًا لدولفين أنثى سميت كاثي.

كاثي كانت واحدة من الدلافين، صورت برنامج للتليفزيون حقق شعبية واسعة في الستينيات واسمه «الزعنفة». طيلة سبع سنوات عاش أوباري مع كاثي ليكون معهًا رابطًا قويًا. يقول أوباري عن علاقته بكاثي وبقية الدلافين: «عشت معهم 24 ساعة في اليوم، سبعة أيام في الأسبوع، وقد كوننا رابطة قوية بيننا. كنت قريبًا جدًا منهم» هذه العلاقة كانت السبب في قلب حياة أوباري رأسًا على عقب بعدما أقدمت عليه كاثي أمام عيني أوباري أحد الأيام.

يقول أوباري: «الدلافين ليست آلات تنفس مثلنا، كل نفس بالنسبة لها هو مجهود واعي، يعني ذلك أنها تستطيع إنهاء حياتها ببساطة عندما تقرر ألا تأخذ النفس المقبل. ذات يوم تلقيت مكالمة من إدارة الحوض البحري في ميامي حيث كانت كاثي تعيش بعد انتهاء العرض. أخبروني في المكالمة أن كاثي لم تكن بخير». ذهب أوباري للتحقق من سلامة كاثي في الحوض ليجدها مغطاه ببثور سوداء نتيجة تعرضها للشمس، وكانت زعنفتها متدلية، وهذا دليل على أن هناك أمر ما ليس على ما يرام.

يقول أوباري بعد ذلك: «سبحت كاثي نحوي، ونظرت إليّ في عيني مباشرة  وسحبت نفسًا عميقًا ولم تخرجه. بهذه البساطة قررت أن يكون نفسها الأخير. أمسكت بها وقد غاصت إلى عمق الحوض، لقد تركتها تغرق. قفزت بعد ذلك في الماء وسحبتها للسطح» يقول أوباري أنها انتحرت بين يديه. تحول أوباري بعد هذه الحادثة إلى ناشط في حقوق الحيوان ليشهد نفس الحدث يتكرر أمام عينيه عدة مرات كل عام لمدة 13 عام.

أرسطو والمخطوطات الإغريقية الأولى

لم تكن تلك الأحداث بداية التفات البشرية لهذا الموضوع، فقبل ألفي عام تحدث أرسطو عن فحل الخيل الذي ألقى بنفسه من فوق منحدر بعد أن ارتكب ذنب أوديب وتزاوج مع والدته، كذلك في القرن الثاني الميلادي، كرس الكاتب اليوناني «كلاوديوس إيليان» كتابًا عن نفس الموضوع، حيث رصد خلاله 21 حالة انتحار. تضمن الكتاب أمثلة لدلافين تركت نفسها تقع في الأسر، وحيوانات أليفة رفضت الطعام لتموت جوعًا بعد موت أصحابها.

هذه الظواهر وغيرها بالمئات جذبت أعين المجتمع العلمي، بين من يجزم بعدم إمكانية أن ينتحر الحيوان، ومن يؤكد أن الحيوانات يمكنها أن تنتحر، ومن يعتقد بأن الانتحار هو مسألة لا يمكن للعلم الحكم فيها على الأقل في العصر الحالي.

Embed from Getty Images

الفيلة تصاب باضطراب ما بعد الصدمة وتحاول أن تدفن موتاها

من بين هؤلاء الذين تصدوا لمعضلة انتحار الحيوانات كان عالم الاجتماع والفيلسوف الفرنسي الشهير «إميل دوركايم» والذي عرف الانتحار بأنه «حالات الموت التي تنتج بشكل مباشر أو غير مباشر لفعل إيجابي أو سلبي من الضحية نفسها» كان دوركايم يعلم على الأرجح ما يمكن أن ينتجه هذا التعريف. يستمر دوركايم في شرح السبب الذي يجعل هذا التعريف يستبعد كل ما يرتبط بانتحار الحيوانات. يعزو دوركايم هذا الأمر لمعرفتنا بأدمغة الحيوانات التي لا تظهر أي وعي استباقي بوفاتها، أو بوسائل تحقيق ذلك.

في ضوء ذلك يفسر دوركايم بعض الحالات التي تظهر فيما يبدو انتحارًا للحيونات، فمثال العقرب الذي يلدغ نفسه عند تعرضه للحرارة الشديدة ليقتل نفسه، يفسر دوركايم سلوك العقرب بأنه رد فعل تلقائي وغير انعكاسي، بالتالي لا يمكن أن يقال أنه كان يمتلك فكرة مسبقة عن نتيجة هذا التصرف. مثال آخر ذكره دوركايم وهو تصرف الكلاب بعدم الرغبة في تناول الطعام عند فقدان أصحابها إلى الدرجة التي تتتسبب في موت الحيوان؛ يفسر دوركايم سلوك الكلاب بأن الحزن الذي تعانيه نتيجة فقدان أصحابها تسبب في نقص أو انعدام شعور الجوع لديها، بالتالي تموت، لكن بدون أي معرفة مسبقة بنتيجة أفعالها مستقبلًا.

دوركايم: الإنسان كائن فريد.. لا بد أن يكون كذلك

الحقيقة هي أن المبرهنة التي قدمها دوركايم كانت تفتقر إلى الاستدلال القوي، فقد كانت تستحق فرد العديد من الأمثلة المعروفة أيضًا، لكنها أكثر تعقيدًا في المقابل. قد يفسر هذا الأمر عندما نعلم أن حديث دوركايم عن الانتحار لدى الحيوانات كان في معرض حديثه المطول عن الانتحار بوصفه فعلًا يتفرد به البشر. الاعتقاد بأن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمتلك الوعي بنفسه وبالتالي لديه القدرة على قتل نفسه كانت هي النظرة السائدة طيلة عصور طويلة، ومن أجل تقديم الانتحار باعتباره صفة فريدة للإنسان كان على دوركايم الحديث عنها ونفيها، لدى باقي الحيوانات. هذه النظرة الاستعلائية كانت ترفع من شأن البشر فوق كل المخلوقات.

إننا نعلم الآن أن هذه النظرة الكلاسيكية، التي دافع عنها دوركايم، بأن الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمتلك الوعي بذاته وبالعالم أصبحت خطأ من الناحية العلمية، ففي إعلان كامبريدج، اتفقت مجموعة كبيرة من العلماء الكبار أن الأدلة العلمية تشير إلى أن الحيوانات غير البشرية لديها ركائز تشريحية وكيميائية وفسيولوجية  لحالات الوعي مع القدرة على القيام بأفعال مقصودة وبنية مسبقة، وبالتالي فإن وزن هذه الأدلة يدل على أن البشر ليسوا فريدين في امتلاك الركائز العصبية التي تولد الوعي. نحن نعلم الآن أن دوركايم كان مخطئًا على الأرجح.

الانتحار لدى الحيوانات في المثالين المذكورين ليس هو النمط الوحيد للانتحار أو قتل النفس لدى الحيوانات. هناك العديد من الأمثلة الأخرى التي يظهر فيها أن الحيوان يختار أن يقتل نفسه ليس لسبب ذاتي، لكن لسبب متعلق بمصلحة مجمتعه أو حاملي جيناته، مثال على ذلك أنواع متعددة من العناكب التي تجلس مع بيوضها لتفقس، ثم بعد ذلك تقدم جسدها لنسلها وجبةً أولى تساعدهم على الخروج من العش وكأنها قبلة الحياة لهم، فبدون لحمها لا يمكن لهم أن يمتلكوا الطاقة للخروج من العش، من ثم يموتون فورًا. نوع آخر من العناكب يقدم فيه الذكور أجسادهم للأنثى لتتغذى عليهم أثناء عملية التزاوج باعتبارها وجبة خفيفة، حيث يمتلك هذا النوع دماغًا ثانية في صدورهم تمكنهم من مواصلة التزاوج بينما تؤكل رؤوسهم. كذلك تشتهر أنواع النمل والنحل التي تضحي بنفسها من أجل الحفاظ على بقية أفراد المستعمرة.

انتحار الحيوانات.. التعريف المفخخ

المشكلة التي يمكن أن تواجهها الفرق العلمية التي ترصد الحوادث المتعلقة بانتحار الحيوانات هي التعامل مع تعريف عملية الانتحار، فحوادث قتل الحيوانات لنفسها أصبحت أكثر من أن تحصى في وقتنا الحالي، كذلك وعي الحيوانات بنفسها أصبح أمرًا معترفًا به من الناحية العلمية، الذي يتبقى الآن هو الجزم بأن الحيوانات كانت تعلم نتيجة تصرفها وبالتالي نيتها المسبقة لإنهاء حياتها.

بعض العلماء يميلون هنا لنفي هذه الفرضية. يرى ذلك بوضوح الدكتور دافيد ساندس، الأخصائي في علم نفس الحيوان، أنه لا يمكن أن نقول إن حيونًا قد انتحر، يقول: «لا يمكن للحيوانات أن تنتحر لأنهم لا يمكن أن تكون لديهم نية مسبقة. كل ما يتعلق بالسلوك هو إما مكتسب أو فطري. نحن بوصفنا بشرًا لدينا الفص الأمامي في أدمغتنا وهو ما يساعدنا للوصول لدرجة متقدمة من الوعي».

على الجانب الآخر يرى الدكتور «ساشا آر إكس »، الباحث في مركز البيئة والحفاظ على الأحياء في جامعة إكستر، والذي تتركز معظم أبحاثه في بحث كيفية تعامل الحيوانات مع المواقف والمخاطر غير المتوقعة في حياتها اليومية، يرى بشكل مؤكد أن الحيوانات يمكنها أن تتحكم في مصيرها. يقول الدكتور ساشا مجيبًا السؤال عن انتحار الحيوانات، بعد أن ذكر العديد من الأمثلة المشهورة عن الحيوانات التي تختار أن تنهي حياتها: «نعم: يمكن للحيوانات بشكل مؤكد أن تقتل نفسها». يأتي ذلك بالوقــت الذي نعرف فيه بمصادر علمية متنوعة أن بعض الحيوانات تعاني
نفس الأمراض العقلية المتعلقة بالاكتئاب والصدمات العصبية التي تستمر أحيانًا مدى الحياة كما لدى البشر تمامًا، هنا نكون قد جمعنا قطع كثيرة من الصورة الكاملة لهذه المعضلة.

الصورة الكاملة تقترب من التشكل.. هل انكشفت الحقيقة؟

لمزيد من الترابط بين أجزاء هذه الأحجية، تظهر ملاحظات الباحثة «لوبريستي جودمان»، التي دونتها في بحثها الخاص بهذا الموضوع، فهم متقدم لسلوك الحيوانات التي تقدم على قتل نفسها. تقول لوبريستي أنها شاهدت أثناء بحثها حالات متعددة من الإيذاء الذاتي الذي تفعله الحيوانات بنفسها، يتضمن ذلك قضم الأظافر حد إدمائها، والتسبب في جروح قطعية عميقة بجسدها، أو تعمد اصطدام رأسها بحوائط وأجسام صلبة. تقول لوبريستي: «أننا لو رأينا إنسانًا يفعل مثل تلك الأفعال، ويعاني أيضًا من الاكتئاب والحزن، فإننا نتوقع من هؤلاء الأشخاص أن يتسببوا في إيذاء أنفسهم، وربما الانتحار في النهاية».

Embed from Getty Images

إن الحبكة الخاصة باختيار بعض الحيوانات قتل أنفسها هي مثبتة بمشاهدات العلماء، كذلك إثبات أن الكثير من فصائل تلك الحيوانات تمتلك وعيًا بنفسها وبالعالم من حولها، لتتشابه بذلك مع الإنسان. أضف إلى ذلك الدراسات التي أثبتت أن الحيوانات تصاب بالأمراض العقلية التي تتسبب في بعض الحالات بإقدام البشر على الانتحار مثل الاكتئاب والتوحد.

النقطة التي يقف عندها العلم الآن هي مسألة النية أو التخطيط المسبق لفعل الانتحار، فبحسب التعريف الذي قدمه دوركايم، يشترط أن نطلق على أي حادثة قتل حيوان لنفسه انتحارًا أن نعلم أن الحيوان قام بهذا الفعل وهو يعلم أنه سوف يودي بحياته وبنية مسبقة لنفس الفعل. تؤمن الدكتورة «باربرة كينج» من جامعة «ويليام وماري» بفرجينيا أن العلم لا يستطيع الآن حسم هذه النقطة، بالتالي لا يمكن، لدى بعض العلماء، أن تكون الحيوانات قادرة على الانتحار. المثير في هذه الجدلية أنها يمكن أن تسير في كلا الاتجاهين، فإذا كان العلم لا يستطيع إاثبات وجود نية الحيوان قتل نفسه، فإنه كذلك لا يستطيع نفيها حيث إنها تقع داخل عقل الحيوان.

تقول الدكتورة باربرة: «أنا لست مقتنعة أن (انتحار الحيوانات) هو سؤال يمكن للعلم أن يجيب عنه. يمكننا أن نراقب السلوك الظاهر مثل الحزن، لكننا لا نستطيع أن نرى حجم الضرر الذي يمكن أن يصيب الحيوان، ونقيم ما إذا كان مقصودًا أو لا».

إن مجرد بحث مسألة انتحار الحيوانات والنظر فيها هو تحدِ كبير للحدود بين الإنسان والعالم الطبيعي في حدود العقل والوعي والعاطفة. أصبحت الحيوانات الانتحارية الآن أكثر جذبًا للأبحاث والتجارب والدراسات العلمية، وهذا تقدم كبير في فهم وإدراك العلاقة بين الإنسان وعالمه.

لم يكن في أي وقت الإعلان عن أي درجة من التشابه بين الحيوانات والإنسان سهلًا. ربما يفسر ذلك االخطوات البطيئة للعلم وكان منها الاعتراف بأن الحيوانات تستطيع أن تقوم بالتفكير في أحداث مستقبلية والتخطيط لها، إلى مرحلة أن الحيوانات لديها وعيها الخاص ومشاعرها أيضًا. كل تلك الخطوات في الطريق نحو فهم أوسع لعوالم كائنات ترافقنا نفس الحياة على نفس الكوكب كانت بطيئة وصعبة الحسم حتى على مستوى المجتمع العلمي. ليس من المتوقع أن يكون موضوع انتحار الحيوانات باعتباره نقلة نوعية لفهمنا لعالم الحيوانات مختلفًا. فإن لم يكن العلم قد توصل بشكل قاطع إلى آلية لحسم ما إذا كانت الحيوانات تنتحر أم لا، فإننا بتنا نعلم بشكل مؤكد أن الحيوانات لديها مشاعر وتمتلك الوعي بنفسها وبنا وبالعالم.

المصدر : ساسة بوست